عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
259
اللباب في علوم الكتاب
قال الفرّاء والكسائيّ « 1 » في باب « أمّا » : و « إمّا » إذا كنت آمرا أو ناهيا أو مخبرا فهي مفتوحة ، وإذا كنت مشترطا أو شاكّا أو مخيرا فهي مكسورة ، تقول في المفتوحة : أمّا اللّه فاعبده ، وأما الخمر فلا تشربها وأما زيد فقد خرج ، فإن كنت مشترطا فتقول : إمّا تعطينّ زيدا فإنه يشكرك قال تعالى : فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ [ الأنفال : 57 ] ، وتقول في الشّكّ : لا أدري من قام إما زيد وإما عمرو ، وتقول في التّخيير : لي في الكوفة دار إما أن أسكنها وإمّا أن أبيعها . والفرق بين « إمّا » إذا كانت للشكّ وبين « أو » أنك إذا قلت : « جاءني زيد أو عمرو » فقد يجوز أن تكون قد بنيت كلامك على اليقين ثم أدركك الشّك فقلت : أو عمرو ، فصار الشك فيهما ، فأوّل الاسمين في « أو » يجوز أن يحسن السكوت عليه ، ثم يعرض الشك فتستدرك بالاسم الآخر ؛ ألا ترى أنّك تقول : قام أخوك وتسكت ثم تشكّ فتقول : أو أبوك . وإذا ذكرت « إمّا » فإنما تبني كلامك من أول الأمر على الشك ، فلا يجوز أن تقول : ضربت إمّا عبد اللّه وتسكت . وفي محل : « أن تلقي وإمّا أن نكون » ثلاثة أوجه : أحدها : النصب بفعل مقدّر أي : افعل إمّا إلقاءك وإما إلقاءنا ، كذا قدّره أبو حيّان ، وفيه نظر ؛ لأنّه لا يفعل إلقاءهم فينبغي أن يقدّر فعلا لائقا بذلك وهو اختر أي : اختر إمّا إلقاءك وإمّا إلقاءنا . وقدره مكي « 2 » وأبو البقاء « 3 » فقالا : « إمّا أن تفعل الإلقاء » . قال مكّيّ : كقوله : [ البسيط ] 2542 - قالوا : الرّكوب فقلنا : تلك عادتنا * . . . « 4 » بنصب « الركوب » إلا أنّه جعل النّصب مذهب الكوفيين . الثاني : الرفع على خبر ابتداء مضمر تقديره : أمرك إمّا إلقاؤك وإما إلقاؤنا . الثالث : أن يكون مبتدأ خبره محذوف تقديره إمّا إلقاؤك مبدوء به ، وإمّا إلقاؤنا مبدوء به . فإن قيل : كيف دخلت « أن » في قوله : « إمّا أن تلقي » وسقطت من قوله : إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ [ التوبة : 106 ] . فالجواب قال الفراء : دخول « أن » في « إما » في هذه الآية لأنها في موضع الأمر بالاختيار ، وهي في موضع نصب كقولك : اختر ذا أو ذا ، كأنّهم قالوا : اختر أن تلقي أو نلقي ، وفي آية التّوبة ليس فيها أمر بالتخيير ؛ ألا ترى أنّ الأمر لا يصلح هاهنا فلذلك لم يكن فيه « أن » .
--> ( 1 ) ينظر : تفسير الرازي 14 / 165 . ( 2 ) ينظر : المشكل 1 / 325 . ( 3 ) ينظر : الإملاء 1 / 182 . ( 4 ) تقدم .